
بين الفايكنج ومجد الإسلام الخالد
بقلم م/ ياسر أبو الغيط
حين ينتهي المنتخب النرويجي من إحدى مبارياته. تتجه إليه أنظار العالم قبل أن تنصرف عنه. فلا يكتفي لاعبوه بالإحتفال بالفوز أو تحية جماهيرهم. بل يقفون صفاً واحداً في مشهد مهيب. ثم يرفعون أيديهم ويهبطون بها في إيقاع واحد. بينما تتردد التصفيقات كدوي الرعد. وكأنهم يوقظون من أعماق التاريخ أرواح أجدادهم. إنها المراسم الشهيرة المستوحاة من تراث الفايكنج. ذلك التراث الذي لا يزال يسكن وجدان الشعب النرويجي حتى يومنا هذا.
ولم يكن الفايكنج مجرد محاربين عابرين في صفحات التاريخ. بل كانوا أمة بحرية خرجت من النرويج والسويد والدنمارك. تحمل السيف بيد. والمجد بيد أخرى. شقت سفنهم الطويلة عباب البحار. وجابت السواحل والأنهار. حتى أصبحت أشرعتهم نذيراً للرعب في كثير من أنحاء أوروبا خلال القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين. فارتبط اسمهم بالشجاعة والإقدام. كما ارتبط بالغزوات والحروب والفتوحات.
غير أن التاريخ لا يمنح المجد لأمة واحدة. ولا يخلد بطولة طرف دون الآخر. ففي الوقت الذي كان فيه الفايكنج يفرضون هيبتهم على كثير من البلاد. كانت رايات الإسلام ترفرف فوق الأندلس. تبني حضارة عظيمة. وتحرس أرضها برجال لا يعرفون الهزيمة إلا طريقاً إلى نصر أعظم.
وفي سنة 844م. حمل الفايكنج سفنهم إلى سواحل الأندلس. وهاجموا مدينة إشبيلية. ظانين أنها ستكون غنيمة سهلة كما كانت مدن كثيرة قبلها. فدخلوا المدينة وعاثوا فيها فساداً. لكنهم لم يدركوا أنهم أيقظوا أمة لا تقبل الضيم. ولا ترضى أن يُدنَّس ترابها.
هبَّ الأمير عبد الرحمن الثاني. فجمع الجيوش. ووحَّد الصفوف. وأعد العدة. ثم انطلق برجاله نحو المواجهة الفاصلة. وهناك. عند طلياطة أو تابلادا. دوَّن التاريخ واحدة من أروع صفحات البطولة الإسلامية. التحم السيف بالسيف. وتعالت صيحات الرجال. وانطلقت السهام كالمطر. ثم اشتعلت سفن الفايكنج بالنيران. وسقط منهم القتلى والأسرى. وتحولت غزوتهم إلى هزيمة قاسية بقيت شاهدة على أن القوة وحدها لا تصنع النصر. وأن العقيدة. وحسن القيادة. وثبات الرجال. قادرة على كسر أشد الجيوش بأساً.
ولذلك. فإننا حين نشاهد المنتخب النرويجي وهو يستحضر تراث الفايكنج بعد كل مباراة. فإننا نحترم اعتزاز كل شعب بجذوره وتاريخه. لكننا في الوقت نفسه نستحضر صفحة مشرقة من تاريخنا الإسلامي. صفحة أثبت فيها المسلمون أنهم لم يكونوا بناة حضارة فحسب. بل كانوا أيضاً فرساناً يذودون عن أوطانهم. ويكتبون أمجادهم بحد السيف. كما يكتبونها بنور العلم.
إن كرة القدم قد تجمع الملايين حول ملعب. لكنها كثيراً ما تعيد إلى الأذهان حكايات القرون الماضية. وبين تصفيقات الجماهير النرويجية. وأهازيج الفايكنج. يبقى في ذاكرة التاريخ صوت آخر لا يخفت صداه. صوت رجال الأندلس وهم يدافعون عن أرضهم. ويثبتون للعالم أن الأمم العظيمة لا تُقاس بقوة سيوفها وحدها. وإنما بعقيدتها. ووحدتها. وإيمانها بعدالة قضيتها. ولذلك بقيت تلك المعركة شاهداً على أن التاريخ ينصف من يصنع المجد. ولا يخلد إلا أصحاب المواقف الخالدة.





